محمد بن جرير الطبري
46
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
في الجاهلية ، فقال : تعبدون هذه وتتركون ربها ؟ اعبدوا ربها . قال : والشعري : النجم الوقاد الذي يتبع الجوزاء ، يقال له المرزم . وقوله : وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى يعني تعالى ذكره بعاد الأولى : عاد بن إرم بن عوص بن سام بن نوح ، وهم الذين أهلكهم الله بريح صرصر عاتية ، وإياهم عنى بقوله : أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إِرَمَ واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء المدينة وبعض قراء البصرة " عادا لولي " بترك الهمز وجزم النون حتى صارت اللام في الأولى ، كأنها لام مثقلة ، والعرب تفعل ذلك في مثل هذا ، حكي عنها سماعا منهم : " قم لأن عنا " ، يريد : قم الآن ، جزموا الميم لما حركت اللام التي مع الألف في الآن ، وكذلك تقول : صم اثنين ، يريدون : صم الاثنين . وأما عامة قراء الكوفة وبعض المكيين ، فإنهم قرءوا ذلك بإظهار النون وكسرها ، وهمز الأولى على اختلاف في ذلك عن الأعمش ، فروى أصحابه عنه غير القاسم بن معن موافقة أهل بلده في ذلك . وأما القاسم بن معن فحكي عنه عن الأعمش أنه وافق في قراءته ذلك قراء المدنيين . والصواب من القراءة في ذلك عندنا ما ذكرنا من قراءة الكوفيين ، لأن ذلك هو الفصيح من كلام العرب ، وأن قراءة من كان من أهل السليقة فعلى البيان والتفخيم ، وأن الإدغام في مثل هذا الحرف وترك البيان إنما يوسع فيه لمن كان ذلكسجيته وطبعه من أهل البوادي . فأما المولدون فإن حكمهم أن يتحروا أفصح القراءات وأعذبها وأثبتها ، وإن كانت الأخرى جائزة غير مردودة . وإنما قيل لعاد بن إرم : عاد الأولى ، لأن بني لقيم بن هزال بن هزيل بن عبيل بن ضد بن عاد الأكبر ، كانوا أيام أرسل الله على عاد الأكبر عذابه سكانا بمكة مع إخوانهم من العمالقة ، ولد عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح ، ولم يكونوا مع قومهم من عاد بأرضهم ، فلم يصبهم من العذاب ما أصاب قومهم ، وهم عاد الآخرة ، ثم هلكوا بعد . وكان هلاك عاد الآخرة ببغي بعضهم على بعض ، فتفانوا بالقتل فيما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة عن ابن إسحاق ، فيما ذكرنا قيل لعاد الأكبر الذي أهلك الله ذريته بالريح : عاد الأولى ، لأنها أهلكت قبل عاد الآخرة . وكان ابن زيد يقول : إنما قيل لعاد الأولى لأنها أول الأمم هلاكا . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال قال ابن زيد ، في قوله : أَهْلَكَ عاداً الْأُولى قال : يقال : هي من أول الأمم . وقوله : وَثَمُودَ فَما أَبْقى يقول تعالى ذكره : ولم يبق الله ثمود فيتركها على طغيانها وتمردها على ربها مقيمة ، ولكنه عاقبها بكفرها وعتوها فأهلكها . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء البصرة وبعض الكوفيين وَثَمُودَ فَما أَبْقى بالإجراء اتباعا للمصحف ، إذ كانت الألف مثبتة فيه ، وقرأه بعض عامة الكوفيين بترك الإجراء . وذكر أنه في مصحف عبد الله بغير ألف . والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب لصحتهما في الإعراب والمعنى . وقد بينا قصة ثمود وسبب هلاكها فيما مضى بما أغنى عن إعادته . القول في تأويل قوله تعالى : وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى . . . ما غَشَّى يقول تعالى ذكره : وأنه أهلك قوم نوح من قبل عاد وثمود ، إنهم كانوا هم أشد ظلما لأنفسهم ، وأعظم كفرا بربهم ، وأشد طغيانا وتمردا على الله من الذين أهلكهم من بعد من الأمم ، وكان طغيانهم الذي وصفهم الله به ، وانهم كانوا بذلك أكثر طغيانا من غيرهم من الأمم . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى لم يكن قبيل من الناس هم أظلم وأطغى من قوم نوح ، دعاهم نبي الله صلى الله عليه وسلم نوح ألف سنة إلا خمسين عاما ، كلما هلك قرن ونشأ قرن دعاهم نبي الله حتى ذكر لنا أن الرجل كان يأخذ بيد ابنه فيمشي به ، فيقول : يا بني إن أبي قد مشى بي إلى هذا ، وأنا مثلك يومئذ تتابعا في الضلالة ، وتكذيبا بأمر الله . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ،